جلست مرة في حفل لفرقة موسيقية صغيرة، كان عازف الطبول فيها يضرب إيقاعاً سريعاً متلاحقاً، وعازف الجيتار يمضي ببطء وثقة خلف اللحن، بينما ينساب الكمان بنغمات هادئة فوق الاثنين معاً. ثلاثة أصوات، ثلاث سرعات، ثلاثة أساليب مختلفة تماماً، ومع ذلك خرج من القاعة لحن واحد متماسك، ولم يشعر أحد من الحضور أنه يستمع إلى ثلاث فرق منفصلة تعزف في المكان نفسه بالصدفة. وكلما تأملت هذا العام طريقة حديث أبل عن أنظمتها الثلاثة، iOSوiPadOS وmacOS، تذكرت ذلك الحفل؛ فما تحاول أبل صناعته أقرب إلى فرقة تعزف لحناً موحداً منه إلى ثلاثة منتجات منفصلة لا يجمعها سوى اسم الشركة.
ثلاثة إيقاعات مختلفة
الفرقة الجيدة لا تُقاس بمهارة كل عازف بمفرده، بل بمدى قدرة الجميع على العزف معاً دون أن يطغى صوت على آخر أو يفقد أحدهم الإيقاع العام. وهذا بالضبط ما تحاول أبل أن تفعله بين هواتفها وأجهزتها اللوحية وحواسيبها هذا العام: ليست الفكرة أن يكون iOS سريعاً أو أن يكون macOS مستقراً كل بمفرده، بل أن تنتقل المهمة من جهاز إلى آخر دون أن يشعر المستخدم بأنه غادر مكاناً ودخل مكاناً جديداً، تماماً كما ينتقل اللحن من آلة إلى أخرى دون أن يشعر المستمع بفجوة.
لكل نظام من الأنظمة الثلاثة إيقاعه الخاص هذا العام، وهذا أول ما يلفت الانتباه في هذه الدورة. فـiOS 27 هو عازف الطبول في هذه الفرقة، يعزف أسرع الإيقاعات وأعلاها صوتاً، إذ يستقبل Siri AI، النسخة الجديدة كلياً من سيري، في أوسع حضور لها: تطبيق مستقل يحفظ المحادثات، ووعي بسياق الشاشة يسمح لها بالتصرف بناءً على ما تراه أمامك لا على ما تقوله فقط، ووضع خاص داخل تطبيق الكاميرا يتيح لها أن ترى ما تراه أنت. صحيح أن سيري الجديدة تصل أيضاً إلى الآيباد والماك، لكن الآيفون هو المسرح الذي تُعزف عليه بكامل حضورها.
أما iPadOS 27 فهو الكمان، يعزف لحناً أهدأ بكثير؛ فلا تغيير جذري هذا العام في نظام النوافذ الذي أُطلق قبل عام، بل صقل وتحسين في سرعة الاستجابة: قوائم سياقية تُفتح أسرع، ونقل ملفات إلى الأقراص الخارجية بسرعة تصل إلى خمسة أضعاف، وشريط قوائم يمكن إبقاؤه ظاهراً باستمرار على طريقة الماك، واسم التطبيق النشط حاضر دائماً أعلى الشاشة. تفاصيل صغيرة يشعر بها من يستخدم الجهاز يومياً أكثر مما يشعر بها من يقرأ عنها. ويبقى macOS Golden Gate عازف الجيتار، أبطأ الأصوات الثلاثة وأكثرها ثباتاً، يواصل مساره المعتاد في الاستقرار مع حدث كبير يخصه وحده: فهو أول إصدار يتخلى نهائياً عن أجهزة ماك العاملة بمعالجات إنتل، وآخر إصدار يشغّل تطبيقات إنتل تشغيلاً كاملاً عبر Rosetta 2، وكأن العازف يودّع آلته القديمة في آخر حفل يحملها فيه.
هذا التفاوت في الإيقاع ليس عيباً في حد ذاته، ففي كل فرقة جيدة أصوات سريعة وأخرى بطيئة تعزف في اللحظة نفسها؛ لا يُطلب من الطبول أن تهدأ إلى نعومة الكمان، ولا من الجيتار أن يلاحق اندفاع الطبول. المهم أن تتناغم هذه الإيقاعات المختلفة، لا أن تتساوى سرعتها.
اللحن المشترك
وهنا يظهر الاختبار الحقيقي: هل تعزف هذه الأنظمة الثلاثة على المقام نفسه حين يحتاج المستخدم إلى الانتقال بينها؟ الإجابة هذا العام أوضح مما كانت عليه من قبل. فتطبيق سيري الجديد يزامن سجل المحادثات عبر iCloud بين الأجهزة المدعومة، فتبدأ محادثة على الآيفون وتكملها على الماك دون أن تعيد شرح ما تريد من البداية. ولمن يملك نظارة فيجن برو، صار بإمكان تطبيقات الماك الداعمة لميزة “المعاينة المكانية”، وفي مقدمتها تطبيق Preview، أن ترسل الصور المكانية والمحتوى ثلاثي الأبعاد إلى النظارة مباشرة وتعدّله حياً. وحتى على مستوى أبسط بكثير، أضافت أبل ميزة iPhone Handoff التي تتيح تبديل رقم الهاتف نفسه بين جهازي آيفون ذهاباً وإياباً، وكأن الشركة تعترف بأن الاستمرارية لم تعد تقتصر على نقل ملف أو صفحة ويب، بل صارت تشمل هوية الاتصال نفسها.
هل يختل الإيقاع؟
غير أن لكل أداء جماعي اختباراً أقسى من التناغم في لحظات الهدوء: أن يصمد حين يرتفع الصوت وتتسارع الحركة. وهنا تستحق هذه الأنظمة تقييماً أكثر واقعية. فانطباعات المستخدمين الأوائل الذين جربوا الإصدارات التجريبية تشير إلى أن الأسابيع الأولى بعد التحديث قد تحمل استنزافاً ملحوظاً للبطارية، بسبب إعادة فهرسة المحتوى وتنزيل نماذج الذكاء الاصطناعي على الجهاز في الخلفية، وهو أمر معتاد نسبياً مع كل تحديث كبير ولا يستدعي قلقاً مبالغاً فيه.
لكن السؤال الأهم هنا: هل تستقر شبكة الأجهزة المتكاملة هذه على استهلاك طاقة معقول حين تعمل سيري باستمرار في الخلفية عبر أكثر من جهاز واحد في آن واحد؟ هذا سؤال لن تجيب عنه إلا الأشهر القادمة من الاستخدام الفعلي، لا أسابيع البيتا الأولى.
وللتناغم هنا حدود واضحة تستحق أن تُذكر بإنصاف، وأولها يخص القارئ العربي تحديداً. فسيري الجديدة وصلت اليوم مع التحديث ولكنها نسخةً تجريبية وباللغة الإنجليزية وحدها، وتحتاج جهازاً يدعم Apple Intelligence، أي أن من يريد سماع هذا اللحن كاملاً في منطقتنا عليه أن يغيّر لغة جهازه إلى الإنجليزية أولاً. كما أن ميزة تبديل الرقم بين جهازي آيفون تقتصر عند إطلاقها على مشغّلَين اثنين فقط في أمريكا وألمانيا. وهذا يعني أن اللحن لم يصل بعد إلى كل مقاعد القاعة، وهو أمر متوقع في بداية عرض بهذا الحجم؛ فبعض القيود تنظيمية لا تملكها أبل وحدها، وبعضها، كدعم العربية، مسألة وقت نأمل ألا يطول.
هل الآلة الإضافية تخدم اللحن أم تشتته؟
تضيف بعض الفرق أحياناً آلة أو صوتاً إضافياً لم يكن أساسياً في تكوينها، آلة نفخ نادرة أو صوت خلفي، وقد تنجح هذه الإضافة في إثراء اللحن، وقد تتحول إلى زخرفة تلفت الانتباه إلى نفسها دون أن تخدم القطعة الموسيقية ككل.
والذكاء الاصطناعي هذا العام يشبه تلك الآلة، مع فارق مهم: أنه لم يبقَ في الصف الخلفي، بل تقدّم إلى منتصف المسرح، وصار هو نفسه الخيط الذي يربط الأجهزة الثلاثة بعضها ببعض. ولهذا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل يثري هذا الصوت الجديد اللحن، أم يستهلك مساحة وطاقة دون أن يبرر وجوده يومياً؟ خصوصاً أن أبل وضعت حدوداً يومية للطلبات التي تعتمد على خوادمها السحابية، مع حدود أوسع لمشتركي iCloud+. والإجابة، على الأرجح، ليست واحدة للجميع. فمن يستخدم سيري لتنسيق مهام متعددة الخطوات عبر تطبيقات مختلفة سيجد فيها قيمة حقيقية توفر وقته. ومن اعتاد استخدام هاتفه لمهام بسيطة ومباشرة قد لا يلاحظ فرقاً كبيراً، وقد يشعر أحياناً أن النظام يستهلك طاقة إضافية لخدمة ميزة لا يستخدمها كثيراً.
الخلاصة
من ينظر لهذه الأنظمة الثلاثة كمنتجات منفصلة سيجد في كل واحد منها تحديثاً معقولاً لا أكثر ولا أقل، بعضها أسرع من العام الماضي وبعضها أهدأ. لكن من ينظر إليها كأداء واحد، كما تريد أبل نفسها أن يُنظر إليها هذا العام، سيجد قصة أكثر طموحاً: محاولة جادة لجعل التنقل بين الأجهزة يشبه انتقال اللحن بين آلات فرقة واحدة، لا التبديل بين ثلاث فرق منفصلة. وأميل إلى القول إن هذه المحاولة أضافت قيمة حقيقية في أكثر من موضع، خصوصاً في استمرارية سيري بين الأجهزة، لكنها لا تزال بحاجة لوقت أطول لتثبت أنها لا تستهلك من طاقة البطارية أكثر مما تمنح من راحة يومية حقيقية. أما القارئ العربي، فسيستمع إلى هذا اللحن، في الوقت الحالي على الأقل، بلغة غير لغته. والحكم الأدق على أداء كهذا لا يصدر بعد أغنية واحدة، إنما بعد أن تستمع للفرقة طويلاً وتكتشف أن أذنك توقفت عن ملاحظة الفروق بين الأصوات، لأنها اندمجت أخيراً في لحن واحد.
