لسنوات طويلة، كانت “سيري” رفيقتنا الرقمية الأولى؛ تلك الميزة الساحرة التي فتحت لنا باب المساعدات الصوتية حينما كان الأمر يبدو ضرباً من الخيال. كانت دائماً حاضرة لضبط منبهاتنا، أو تذكيرنا بمواعيدنا، أو إخبارنا بحالة الطقس. لكن مع التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، كبرت طموحاتنا، وبتنا نتوقع من هذا الرفيق الرقمي فهماً أعمق وحواراً أكثر مرونة.
عندما كنا نطلب منها أوامر مركبة أو نعتمد على سياق خفي بين سطور محادثاتنا، كانت “سيري” ترد بحرفية شديدة تلتزم بالأوامر المباشرة فقط. كانت تسمع الكلمات بدقة، لكنها كانت تبدو أحياناً بمنأى عن إدراك “المعنى” أو السياق المعقد.
لكن أبل في مؤتمرها للمطورين اليوم WWDC 26، قررت أن تنقل هذه العلاقة إلى مستوى آخر تماماً، وكأنها تجعل من بيت المتنبي الشهير واقعاً تقنياً ملموساً: “وأسمعتْ كلماتي مَن به صممُ”.
فمع الكشف عن الإصدار الجديد Siri AI المدعوم بتقنيات “Apple Intelligence”، لم تكتفِ أبل بتقديم تحديث عابر. ورغم زحمة المزايا المبهرة التي تخص معالجة الصور والتصفح، وقفت “سيري” كبطلة حقيقية لهذا التحول العظيم. لأن أبل أدركت أن الوقت قد حان لتتخلى مساعدتها الوفية عن قوالب الأوامر الجامدة، وتنتقل إلى مرحلة جديدة.. مرحلة تفهم فيها السياق، وتربط فيها الأحداث، وتسمع فيها حقاً ما نقصده، لا ما نقوله فقط.
المشكلة التي لازمت Siri لسنوات
إذا طلبت من Siri سابقاً العثور على رسالة قديمة أو معلومة وردت في بريد إلكتروني قبل عدة أشهر، فغالباً لن تحصل على النتيجة التي تريدها. كان المساعد يعتمد بشكل أساسي على أوامر مباشرة وواضحة، أما عندما يتعلق الأمر بطلبات أكثر تعقيداً فكانت قدراته محدودة مقارنة بما يقدمه المنافسون.لهذا السبب لم يكن كثير من مستخدمي آيفون يعتمدون على Siri بشكل يومي، رغم وجوده على أجهزتهم طوال الوقت. لكن اليوم تحاول أبل تغيير هذه الصورة بالكامل.
البحث داخل حياتك الرقمية
أبرز ما تقدمه Siri AI هو قدرتها على فهم المعلومات الموجودة على جهازك وربطها ببعضها. على سبيل المثال، إذا أخبرك صديق قبل أسابيع عن مطعم معين عبر الرسائل، يمكنك أن تطلب من Siri العثور على اسم المطعم بدلاً من البحث يدوياً داخل المحادثات. وإذا كنت تبحث عن رقم حجز فندق وصلك عبر البريد الإلكتروني قبل أشهر، يستطيع Siri الوصول إليه وعرضه لك مباشرة.
الفكرة هنا ليست أن Siri أصبحت تبحث بشكل أسرع، بل أنها أصبحت تفهم ما تقصده حتى لو لم تتذكر التفاصيل الدقيقة بنفسك. وهذا تحديداً ما يجعل المساعد الذكي مفيداً في الحياة اليومية.
عندما ترى Siri ما تراه
واحدة من أكثر الميزات إثارة للاهتمام هي قدرة Siri على فهم ما يظهر أمام المستخدم. ففي آيفون، يمكن للمستخدم توجيه الكاميرا نحو شيء معين وسؤال Siri عنه. قد يكون طبق طعام يريد معرفة معلوماته الغذائية، أو فاتورة يرغب في تقسيم قيمتها بين الأصدقاء، أو أي عنصر آخر يحتاج إلى معلومات إضافية حوله.
كما تستطيع Siri فهم المحتوى الظاهر على الشاشة نفسها. فإذا كنت تقرأ رسالة تتحدث عن مناسبة أو رحلة أو نشاط معين، يمكنك متابعة الحديث مع Siri حول هذا المحتوى دون الحاجة إلى شرح كل التفاصيل من البداية. هذه النوعية من التفاعل تجعل استخدام المساعد أكثر طبيعية وأقل اعتماداً على الأوامر الجامدة.
أيضًالا ننسى التطبيق الخاص بسيري والذي جعلها منافسًا مباشرًا لنماذج الذكاء الصناعي المشهورة مثل Chatgpt و Gemini وغيرهم، والآن تستطيع الدخول للتطبيق والحديث مع سيري إما عن طريق الكتابة أو عن طريق الصوت ورفع الملفات والصور له والطلب منه مساعدتك في أي شيء ممكن.
تنفيذ المهام بدلاً من إعطاء التعليمات
أحد الفروقات المهمة أيضاً أن Siri الجديد لا تكتفي بعرض المعلومات، بل تستطيع تنفيذ مهام فعلية داخل التطبيقات. فبدلاً من أن يعطيك خطوات كتابة رسالة أو مشاركة صور، يمكنه القيام بذلك مباشرة. ويمكنه كذلك المساعدة في إنشاء مسودات للرسائل والإيميلات وتعديل النصوص وإعادة صياغتها.
هذا التوجه يعكس رؤية أبل للذكاء الاصطناعي كأداة لإنجاز العمل، وليس مجرد وسيلة للإجابة عن الأسئلة.
الخصوصية ما زالت جزءاً من المعادلة
رغم كل هذه القدرات، تحرص أبل على التأكيد أن البيانات الشخصية للمستخدم تظل تحت سيطرته.
فالكثير من عمليات المعالجة تتم على الجهاز نفسه، بينما تعتمد العمليات الأكثر تعقيداً على الحوسبة السحابية الخاصة التي تقول أبل إنها لا تخزن بيانات المستخدم ولا تتيحها لأي جهة أخرى.
وبالنسبة لشركة بنت جزءاً كبيراً من صورتها التسويقية حول الخصوصية، كان من المتوقع أن يكون هذا الجانب حاضراً بقوة في كل ما يتعلق بـ Siri AI.
هل أصبحت Siri منافساً حقيقياً؟
الإجابة النهائية ستتضح بعد وصول هذه المزايا للمستخدمين وتجربتها بشكل عملي. لكن من الواضح أن أبل أدركت أن المساعدات الرقمية لم تعد مجرد أدوات صوتية بسيطة، لكنها أصبحت بوابة رئيسية للتعامل مع الذكاء الاصطناعي.
لذلك يبدو Siri AI أقل اهتماماً بتنفيذ الأوامر التقليدية وأكثر اهتماماً بفهم المستخدم ومساعدته على الوصول إلى المعلومات وإنجاز المهام بأقل عدد ممكن من الخطوات.
وإذا نجحت أبل في تقديم هذه التجربة بالشكل الذي استعرضته، فقد تكون Siri أمام أكبر تحول يشهده منذ ظهوره الأول قبل أكثر من عقد من الزمن.
