وقاية قبل العلاج: Apple تضع سلامة الأطفال في صدارة العالم الرقمي

بينما نغرق في بحور من الأجهزة الذكية والتي تحيط بأطفالنا من كل جانب، يجد الكثير من الأباء أنفسهم في حيرة من أمرهم: كيف نوازن بين منحهم حرية الاستكشاف وحمايتهم من مخاطر العالم الرقمي؟
العالم الرقمي أصبح مدينةً كاملةً يعيش فيها أطفالنا ساعاتٍ طويلة من يومهم، يتنقلون بين أزقتها، ويطرقون أبوابها، ويكتشفون عوالمها ببراءة الفضول الأولى. وفي كل مدينة، لا تكفي الأضواء ولا المباني المبهرة وحدها… بل لا بد من حراسٍ يقفون على بواباتها، يميزون الآمن من الخطر، ويصونون الطفولة من أن تتعثر فيما لا يليق بها.
درهم وقاية خيرٌ من قنطار علاج
يقول العرب: «درهم وقاية خيرٌ من قنطار علاج»، وفي زمن الشاشات المتوهجة، تبدو الوقاية الرقمية هي المعنى الأصدق لهذه الحكمة. فالتحدي اليوم لم يعد في منع الطفل من استخدام التقنية، بل في أن نُحسن مرافقتها له، وأن نجعل الأمان سابقًا للإبهار، والحماية متقدمة على الانبهار.
هنا، تدخل Apple برؤية مختلفة؛ رؤية لا ترى في الأبوين مراقبين دائمين، ولا في الطفل مستخدمًا مقيّدًا، بل ترى في التقنية شريكًا تربويًا صامتًا، يعمل في الخلفية ليبني مظلة حماية رقمية تمتد فوق رؤوس الصغار، وترافقهم خطوة بخطوة في رحلتهم داخل الإنترنت.
في هذا المقال، نقترب من هذه المظلة، ونكشف كيف أعادت Apple صياغة مفهوم سلامة الأطفال على الإنترنت، ليس عبر قيود معقّدة أو إعدادات مرهقة، بل عبر منظومة ذكية تجعل الأمان تجربة طبيعية… لا عبئًا تقنيًا.

لم تعد البداية معقدة: حسابات الأطفال بلمسة واحدة
لطالما كان إنشاء “حساب طفل” (Child Account) عملية يخشاها البعض بسبب تعقيداتها الإدارية، لكن Apple قررت كسر هذا الحاجز. الفكرة هنا بسيطة: إذا كنت تمتلك حساباً نشطاً وتستخدم Apple Pay، فلماذا تحتاج لإدخال بيانات بطاقتك الائتمانية في كل مرة؟ الآن، بلمسة من إصبعك (Touch ID) أو نظرة سريعة (Face ID)، يمكنك تأكيد هويتك كبالغ وإنشاء حساب لطفلك في ثوانٍ.
الأجمل من ذلك هو ميزة “الاتصال لاحقاً” (Connect Later). تخيل أنك اشتريت جهازاً جديداً لطفلك وتريد منه البدء باستخدامه فوراً دون الغرق في إعدادات طويلة؛ يمكنك الآن تحديد الفئة العمرية فقط، وسيقوم النظام تلقائياً بتفعيل كافة فلاتر الحماية المناسبة لعمره. سيتمكن طفلك من تصفح الويب واستخدام التطبيقات بأمان، بينما يذكره النظام لاحقاً بضرورة إكمال ربط الحساب بالعائلة. هذه الميزات بدأت بالفعل في شق طريقها لمستخدمي أنظمة iOS 18.4 و iPadOS 18.4 وما بعدها.

تصحيح المسار: حين تعيد Apple الطفل إلى عمره الحقيقي
كثير منا ارتكب خطأً تقليديًا في وقت ما، وهو إعطاء الطفل جهازاً يعمل بحساب شخص بالغ أو تاريخ ميلاد غير دقيق. مع إطلاق iOS 26 و iPadOS 26، أصبح بإمكانك تصحيح هذا الخطأ دون فقدان البيانات. النظام الآن يتيح لك تعديل عمر الطفل، وبمجرد أن يتعرف النظام على أن المستخدم دون سن 13، سيقترح عليك فوراً تحويله إلى “حساب طفل” وربطه بمجموعة العائلة، لتطبق عليه كافة قيود الحماية الافتراضية بشكل آلي
حماية المراهقين: الأمان الرقمي لا يتوقف عند الثالثة عشرة
لطالما شعر المراهقون (بين 13 و 17 عاماً) بأنهم في “منطقة رمادية” من حيث الأمان الرقمي. لكن في أنظمة iOS 26 و macOS Tahoe 26 الجديدة، قررت Apple أن هؤلاء الشباب يحتاجون أيضاً لدرع حماية افتراضي. الآن، بمجرد بلوغ الطفل سن المراهقة، تظل ميزات مثل “أمان الاتصالات” وفلاتر الويب مفعلة بشكل تلقائي، مما يضمن أنهم لن يتعرضوا لمحتوى غير لائق أثناء رحلة بحثهم أو تواصلهم مع أصدقائهم.
“وقت الشاشة” أصبح أكثر ذكاءً وتفاعلاً
في تحديث iOS 18.5، أضافت Apple لمسة ذكية، فإذا حاول طفلك تخمين رمز المرور أو إدخاله، سيصلك تنبيه فوري على جهازك. هذا التنبيه ليس “للمراقبة” فحسب، بل هو فرصة لفتح حوار مع طفلك حول سبب حاجته لمزيد من الوقت، أو تذكيرك بضرورة تغيير الرمز إذا تم اكتشافه

التواصل تحت السيطرة: حين تمر العلاقات الرقمية عبر باب الأسرة
في عالم يمتلئ بالتطبيقات التي تطلب “إضافة أصدقاء”، قدمت Apple إطار عمل Permission Kit. في iOS 26، إذا أراد طفلك إضافة رقم هاتف جديد أو التواصل مع شخص في تطبيق طرف ثالث، سيصلك طلب “استئذان” مباشرة في تطبيق الرسائل (Messages). بضغطة واحدة، يمكنك الموافقة أو الرفض، مما يجعل التواصل الاجتماعي للأطفال عملية مراقبة ولكن غير خانقة

عين ساهرة على المحتوى الحساس
تعد ميزة “أمان الاتصالات” (Communication Safety) من أكثر الأدوات جرأة وحماية، فهي تستخدم الذكاء الاصطناعي على الجهاز نفسه لاكتشاف الصور أو الفيديوهات التي قد تحتوي على عري. الجديد في iOS 26 هو توسع هذه الميزة لتشمل مكالمات FaceTime والألبومات المشتركة في تطبيق الصور. إذا تم اكتشاف محتوى حساس، سيتم تعتيمه تلقائياً مع تقديم خيارات للطفل للحصول على المساعدة أو التحدث مع شخص يثق به
متجر التطبيقات: حين تُفصَّل التطبيقات على مقاس الطفل
في iOS 26، إذا وضعت قيوداً عمرية (مثلاً 12+)، فإن التطبيقات التي تتجاوز هذا التقييم ستختفي تماماً من نتائج البحث والتبويبات أمام طفلك. كما أضافت Apple تقييمات أكثر دقة للمراهقين (13+، 16+، 18+)، مما يساعد المطورين على تصنيف تطبيقاتهم بشكل أفضل، ويساعدك أنت كوالد على اتخاذ القرار الصحيح.
ولا ننسى ميزة “طلب الشراء” (Ask to Buy) التي أصبحت أكثر مرونة، حيث يمكنك الآن منح استثناءات لتطبيقات معينة حتى لو كانت تتجاوز القيود العامة، مع الاحتفاظ بالقدرة على سحب هذا الإذن في أي لحظة عبر جهازك الخاص

Apple Watch خطوة أولى نحو الثقة
بالنسبة للأطفال الذين لم يحن الوقت بعد لامتلاكهم iPhone، تقدم Apple Watch حلًا عبقريًا. من خلال “Apple Watch لأطفالك”، يمكن للطفل الحصول على رقم هاتف خاص به وساعة تعمل بشكل مستقل، تتيح له الاتصال بك، تتبع نشاطه البدني، وحتى استخدام الخرائط. كل هذا تحت إشرافك الكامل، حيث يمكنك تفعيل “وقت الدراسة” (Schooltime) لمنع التشتت أثناء الحصص الدراسية، وتحديد الأشخاص الذين يمكنهم الاتصال بالساعة
خاتمة: من درهم الوقاية… إلى طمأنينة الأسرة
في المدينة الرقمية التي يكبر فيها أطفالنا كل يوم، لا تكفي الأسوار العالية ولا الأبواب الموصدة، بل نحتاج إلى حراسة ذكية تعرف متى تتدخل، ومتى تترك المساحة للاكتشاف. وهذا بالضبط ما تحاول Apple أن ترسخه في فلسفة سلامة الأطفال: أن يكون الأمان حاضرًا بهدوء، يعمل في الخلفية، ويمنح الأسرة طمأنينة دون أن يصادر فضول الصغار أو يخنق شغفهم.
تعود بنا هذه الرؤية إلى الحكمة القديمة: درهم وقاية خيرٌ من قنطار علاج. لا تسعى Apple إلى صناعة آباء قلقين، ولا أطفال محاصرين، بل إلى خلق توازن دقيق: تقنية تحرس، وأسرة ترافق، وطفل يكتشف بثقة. هكذا تصبح الأدوات الرقمية امتدادًا لفكرة التربية نفسها، لا بديلًا عنها.
في النهاية، الأمان الرقمي ليس زرًا نضغطه مرة واحدة، بل مسار طويل من الوعي والاختيارات الذكية. ومع كل خطوة تخطوها Apple في هذا الاتجاه، يبدو أن درهم الوقاية أصبح أسهل امتلاكًا… وأكثر قيمة من أي وقت مضى.






