قبل أن يخترع الإنسان أي كاميرا، كانت عينه هي الآلة الأصلية. فحدقة العين تتوسع في الظلام لتلتقط أكبر قدر ممكن من الضوء الشحيح، وتضيق تحت شمس الظهيرة حتى لا يغرقها البريق. حين حاول الإنسان تقليد هذه الحيلة البيولوجية في الكاميرات الأولى، ابتكر فكرة “فتحة العدسة” المتحركة، تلك الحلقة المعدنية الصغيرة التي تتسع وتضيق تماماً كحدقة تصطنعها الآلة. لقرون من تاريخ التصوير، ظلت هذه الفكرة حكراً على الكاميرات المستقلة الثقيلة، بعيدة عن أي هاتف محمول في جيب أحد.
هذا العام، تكسر أبل هذا الحاجز بهدوء شديد. فآيفون 18 برو ماكس يحمل، لأول مرة في تاريخ الهواتف من هذه الشركة، عدسة رئيسية بفتحة متغيرة فعلياً، قادرة على أن “تغمض” جزئياً في الضوء الساطع، وأن “تفتح” اتساعها الكامل في العتمة، تماماً كما تفعل حدقة العين البشرية دون أن نشعر بها. هذا التفصيل وحده يستحق أن يكون مدخلاً لفهم فلسفة الجهاز بأكمله هذا العام: محاولة جعل الهاتف يرى العالم بطريقة أقرب إلى الطريقة التي نراه بها نحن.
الشاشة والتصميم: كبير كعادته، أكثر هدوءاً من الداخل
يحتفظ آيفون 18 برو ماكس بشاشة LTPO بحجم 6.9 إنش، وهو الحجم ذاته الذي اعتاد عليه مستخدمو فئة “ماكس” في الأجيال الأخيرة. لكن التجربة البصرية تختلف هذه المرة مع Dynamic Island أصغر وأكثر فائدة، إذ أعادت أبل تصميمها لتوفير مساحة أكبر لعرض المعلومات، وأصبحت قادرة على عرض ثلاث أنشطة مباشرة في الوقت نفسه، مع استمرارها في أداء وظائف Face ID المعتادة.
على صعيد الشكل الخارجي، تتوفر أجهزة Pro الجديدة بأربعة ألوان: الأسود، والفضي، والجليدي، والعنابي الجديد كلياً. أما في الداخل، فقد حصل الجهاز على نظام جديد لإدارة الحرارة، يجمع بين شريحة A20 Pro وحجرة بخار من الجيل الجديد، بهدف الوصول إلى أعلى أداء مستدام في تاريخ iPhone.
الكاميرا: العين التي تتعلم أن تتكيف
هنا يكمن قلب التحديث الحقيقي لهذا الجهاز. تحمل الكاميرا الرئيسية الجديدة دقة 48 ميجابكسل بتقنية Fusion، لكنها لا تكتفي بذلك؛ فهي تأتي للمرة الأولى في تاريخ iPhone بفتحة عدسة متغيرة فعلياً.
وتنتقل ست شفرات مقطوعة بالليزر بسلاسة بين فتحات العدسة المختلفة، ما يسمح للهاتف بضبط عمق المجال والإضاءة بصورة أكثر مرونة. وفي الإضاءة المنخفضة، يستطيع النظام الاستفادة من الفتحة الأوسع لتحسين جودة الصورة، بينما تمنح الفتحة المتغيرة المصور تحكماً أكبر في شكل الصورة نفسها.
عملياً، تعني هذه الفتحة المتغيرة أن الكاميرا تتحكم فعلياً في كمية الضوء الداخلة إلى الحساس على المستوى الميكانيكي البحت، إلى جانب معالجة البرمجيات المعتادة. لكن أبل لم تكتفِ بذلك، وأضافت إلى الأنماط الفوتوغرافية عناصر تحكم جديدة في الملمس والخشونة، حتى يصبح المستخدم قادراً على ضبط مظهر الصورة بدقة أكبر.
أما عناصر التحكم الاحترافية الجديدة، فتمنح المستخدم وصولاً أسرع إلى إعدادات التصوير المهمة، مع إمكانية ضبط فتحة العدسة وسرعة الغالق وتوازن اللون الأبيض.
وفي الفيديو، أصبحت أبل تمنح المستخدم مرونة أكبر، مع إمكانية تطبيق التأثيرات السينمائية بعد التقاط الفيديوهات المصورة حتى 60 إطاراً في الثانية، إلى جانب تسجيل فيديوهات التصوير السريع بدقة 4K وDolby Vision HDR. كما حصلت ميزة المزيج الصوتي على خوارزميات جديدة لتحسين جودة الصوت، مع إمكانية عزل الموسيقى.
لكن أبل تنظر إلى الكاميرا هذه المرة من زاوية مختلفة تماماً أيضاً. فمع انتشار الصور التي يتم إنشاؤها أو تعديلها بالذكاء الاصطناعي، أصبح إثبات أن الصورة أصلية أكثر أهمية من أي وقت مضى. ولهذا قدمت الشركة ميزة Apple Reference Image، التي تسمح بتوثيق الصور الملتقطة عبر iPhone 18 Pro من خلال بيانات موقعة على مستوى كل بكسل.
وعند استخدام النمط المرجعي الجديد، تسجل الكاميرا بيانات المستشعر الموقعة، ثم تتم معالجتها عبر Private Cloud Compute وتحويلها إلى صورة مرجعية غير قابلة للتعديل. ويمكن عرض هذه الصورة إلى جانب النسخة الرئيسية في تطبيق الصور، لتعمل أشبه بـ”صورة سالبة رقمية” يمكن من خلالها مقارنة النسختين والتحقق مما إذا كانت الصورة قد تعرضت لتعديلات.
المعالج والذاكرة: قفزة جيل كامل في التصنيع
يعمل آيفون 18 برو ماكس بمعالج A20 Pro، أول معالج من أبل يعتمد تقنية تصنيع 2 نانومتر، متجاوزاً تقنية 3 نانومتر التي اعتمد عليها الجيل السابق. لكن القفزة هنا لا تتعلق فقط بحجم الترانزستورات، إذ رفعت أبل أيضاً نطاق تردد الذاكرة بنسبة 50 بالمئة مقارنة بشريحة A19 Pro.
وتضم الشريحة وحدة معالجة مركزية جديدة مع ستة مسرعات عصبية مدمجة، بينما تأتي وحدة معالجة الرسوميات بسبع نوى وتقدم أداءً أسرع بنسبة تصل إلى 40 بالمئة مقارنة بـA19 Pro. كما تضم الشريحة محركاً عصبياً مزدوجاً جديداً مكوناً من 16 نواة، ليصل إجمالي أنوية المعالجة العصبية إلى 32 نواة، ما يمنحها ضعف قوة معالجة الذكاء الاصطناعي التي توفرها A19 Pro، وفقاً لأبل.
وهذه الزيادة ليست موجهة للألعاب فقط، بل تستهدف أيضاً نماذج الذكاء الاصطناعي التي تعمل مباشرة على الجهاز والتصوير الحسابي، بحيث تصبح الشريحة قادرة على التعامل مع أعباء العمل الثقيلة مع الحفاظ على كفاءة أعلى.
وعلى صعيد الاتصال، لا تكتفي أبل هذا العام بمودم C2. إذ يأتي كلا الطرازين أيضاً بشريحة N1 اللاسلكية من تصميم أبل، مع دعم Wi-Fi 7 وBluetooth 6 وتقنية Thread. أما C2، فهو الجيل التالي من مودم أبل الخلوي، ويقدم سرعات تحميل أعلى بشكل ملحوظ مقارنة بـC1X مع استهلاك طاقة أقل بنسبة 15 بالمئة.
البطارية: مساحة أكبر لطاقة أطول
بفضل التطورات التي شهدتها شرائح Apple silicon وتصميم البطارية الأكبر، حصل آيفون 18 برو ماكس على أكبر قفزة في عمر البطارية في تاريخ iPhone، بحسب أبل.
وتصل مدة تشغيل الفيديو في آيفون 18 برو إلى 36 ساعة، بينما ترتفع إلى 45 ساعة في آيفون 18 برو ماكس بالنسبة إلى الموديلات التي تعمل بالشريحة الإلكترونية فقط. كما يمكن شحن الجهاز إلى 50 بالمئة في حوالي 15 دقيقة، أو شحنه لاسلكياً إلى 50 بالمئة في 30 دقيقة. وفي حالة Pro Max، تمنح خمس دقائق من الشحن السلكي حوالي سبع ساعات من تشغيل الفيديو.
أما عند النظر إلى الاستخدام الفعلي، فتقول أبل إن iPhone 18 Pro Max يمكن أن يوفر ما يصل إلى 30 ساعة من الاستخدام عند شحنه بالكامل، وفق نموذج جديد يعتمد على بيانات الاستخدام الواقعي.
السعر والتوافر
يبدأ سعر آيفون 18 برو ماكس من 6,099 ريالاً سعودياً، بينما يبدأ سعر آيفون 18 برو من 5,699 ريالاً، ويتوفر كلا الجهازين بسعات تخزين 256 جيجابايت و512 جيجابايت و1 تيرابايت و2 تيرابايت.
ويبدأ الطلب المسبق يوم السبت 12 سبتمبر، على أن يبدأ توفر الأجهزة يوم الجمعة 18 سبتمبر. كما تتوفر موديلات الشريحة الإلكترونية فقط في المملكة العربية السعودية، إلى جانب عدد من الأسواق الأخرى.
آيفون 18 برو: نفس الروح، حجم مختلف
إلى جانب طراز “ماكس”، قدمت أبل أيضاً آيفون 18 برو بحجم شاشة أصغر يبلغ 6.3 إنش، محافظاً على نفس هوية التصميم العامة، بما في ذلك Dynamic Island الأصغر والأكثر فائدة، والألوان الأربعة الجديدة.
ويعمل الجهاز بنفس شريحة A20 Pro، ويحصل على منظومة التبريد الجديدة نفسها، إلى جانب شريحة N1 اللاسلكية ومودم C2. والأهم أن أبل لم تجعل الميزات الرئيسية في الكاميرا حكراً على Pro Max؛ ففتحة العدسة المتغيرة وعناصر التحكم الاحترافية متوفرة في الطرازين معاً.
الفارق الفعلي بين الطرازين هذا العام يتمحور بصورة أكبر حول الحجم وعمر البطارية. فـiPhone 18 Pro يوفر حتى 36 ساعة من تشغيل الفيديو، بينما يصل Pro Max إلى 45 ساعة، مع استفادة النسخة الأكبر أيضاً من بطارية أكبر حجماً.
هذا التوزيع يجعل آيفون 18 برو خياراً منطقياً جداً لمن يفضل حجماً أخف في اليد دون التنازل عن قوة المعالج أو جودة التصنيع العامة أو أهم تحديثات الكاميرا، بينما يبقى طراز “ماكس” الوجهة الطبيعية لمن يضع الشاشة الأكبر وعمر البطارية الأطول في قلب أولوياته عند اختيار هاتفه الجديد.
رأيي الشخصي
من بين كل تحديثات هذا العام في فئة “برو”، فتحة العدسة المتغيرة هي التي أثارت إعجابي أكثر من أي تحديث آخر. فهي ليست ميزة تسويقية عابرة تُذكر في جملة واحدة على المسرح، بل تحوّل فعلي في طريقة تعامل الهاتف مع الضوء، وهو أساس كل صورة جيدة على الإطلاق.
أرى في هذه الخطوة إشارة إلى أن أبل بدأت تنظر إلى كاميرا الآيفون بمنطق أقرب إلى صناعة الكاميرات الاحترافية المستقلة منه إلى منطق “أضف بيكسلات أكثر” الذي هيمن على هذه الصناعة لسنوات طويلة.
وفي الوقت نفسه، تأتي ميزة Apple Reference Image لتفتح باباً آخر أكثر ارتباطاً بمستقبل التصوير نفسه: ليس فقط كيف نصنع صورة أفضل، بل كيف نثبت أن الصورة التي أمامنا حقيقية ولم تُنشأ أو تُغيّر بواسطة الذكاء الاصطناعي.
لهذا أعتقد أن آيفون 18 برو ماكس لا يمثل مجرد تحديث آخر لكاميرا الآيفون، بل خطوة باتجاه جعل الهاتف يتعامل مع التصوير باعتباره عملية تجمع بين البصريات والبرمجيات والتحكم الإبداعي وحتى توثيق أصل الصورة. وللمرة الأولى، لا يحاول الهاتف فقط أن يحاكي العين بالبرمجيات، بل بدأ يقلد إحدى أهم حيلها بصرياً.
