iPhone Duo: الصفحة التالية

قبل نحو ألفي عام، كان النص المكتوب سجيناً في شكل واحد لا يتغير: اللفافة. ورقة طويلة تُلف حول نفسها، يفتحها القارئ بيديه الاثنتين، يبحث فيها عن موضعه بصبر، ثم يعيد لفّها من جديد حين ينتهي. ثم جاءت لحظة غيّرت كل شيء: حين قرر أحدهم أن يقصّ تلك اللفافة إلى صفحات، ويجمعها من طرف واحد، ويطويها بين غلافين. وُلد الكتاب، وولدت معه فكرة ثورية: أن المعرفة يمكن أن “تُطوى” في مساحة أصغر، دون أن تفقد شيئاً من اتساعها حين تنفتح.
هذه القصة القديمة تحضر بقوة اليوم، حين تعلن أبل عن iPhone Duo، أول هاتف في تاريخها يعتمد تصميم “الكتاب” بمعنى الكلمة الحرفي: مغلقاً يبدو ككائن مألوف صغير الحجم، ومفتوحاً يتحول إلى مساحة أوسع بكثير مما كان يوحي به شكله الخارجي. وكأن أبل، بعد كل هذه القرون، تعيد صياغة السؤال ذاته الذي طرحه مخترع الكتاب الأول: كيف نجعل الشيء الصغير يحمل داخله عالماً أكبر؟
التصميم
iPhone Duo يعتمد تصميم الكتاب بالكامل، يُفتح أفقياً كصفحتين متقابلتين، لا عمودياً كصدفة محارة على غرار تصاميم أخرى سبقته إلى السوق. الجهاز يتخلص كلياً من فتحة شريحة الاتصال الفيزيائية، معتمداً بالكامل على تقنية eSIM، ويستبدل Face ID بمستشعر Touch ID مدمج في الزر الجانبي، ما يوفر طريقة مصادقة عملية سواء كان الجهاز مفتوحاً أم مغلقاً، مع إمكانية فتحه أيضاً باستخدام Apple Watch.
أما السماكة، فتصفه Apple بأنه أنحف iPhone على الإطلاق عند فتحه، وهي نتيجة لم تأتِ من تقليل حجم مكوّن واحد، وإنما من إعادة هندسة الجهاز بالكامل حول فكرة الطي. ويظهر ذلك بوضوح في المفصل الدقيق الذي يتكون من أكثر من 100 مكوّن، ويدعم منتصف الشاشة عند فتح الجهاز ويحافظ عليها مسطحة، مع منظومة مغناطيسية تمنح عملية الإغلاق إحساساً ثابتاً وسلساً.

الشاشة
يمتلك iPhone Duo شاشتين منفصلتين تخدمان حالتين مختلفتين من الاستخدام. الشاشة الخارجية، بحجم 5.4 إنش، مخصصة للاستخدام السريع اليومي، وتمنح الجهاز عند إغلاقه حجماً قريباً من جواز السفر، مع مساحة شاشة تعادل نحو 90% من مساحة شاشة iPhone 18 Pro. أما عند فتح الجهاز، فتظهر الشاشة الداخلية بحجم 7.6 إنش، لتصبح أكبر شاشة في تاريخ iPhone ومساحة واسعة لمشاهدة المحتوى والألعاب والعمل على أكثر من تطبيق في الوقت نفسه.
والأهم أن الشاشتين تستخدمان نسبة العرض إلى الارتفاع نفسها، بحيث ينتقل المحتوى بينهما بصورة متناسقة دون اختلافات مزعجة في القياس. وتحمل الشاشة الداخلية طبقة nano-texture تقلل الانعكاسات والوهج وتجعل أثر الطية أقل وضوحاً، فيما تدعم الشاشتان ProMotion وAlways On وسطوعاً خارجياً يصل إلى 3000 شمعة.
وتحت الشاشة الداخلية توجد كاميرا FaceTime جديدة مخفية عندما لا تكون قيد الاستخدام، للحفاظ على مساحة الشاشة دون انقطاع. وفي وقت لاحق من هذا العام، سيحصل iPhone Duo أيضاً على دعم Apple Pencil مع USB-C، بما يسمح بتدوين الملاحظات والرسم والتعليق على المستندات على أي من الشاشتين.
الكاميرات
يأتي iPhone Duo بنظام كاميرا متقدم يستفيد بشكل مباشر من طبيعة الجهاز القابلة للطي. الكاميرا الرئيسية هي 48MP Fusion Main، وتلتقط الصور بدقة تصل إلى 48 ميجابكسل، مع دقة افتراضية تبلغ 24 ميجابكسل، إلى جانب تقريب بصري بجودة 2x مدمج في الكاميرا الرئيسية. كما تستفيد من معالجة حسابية جديدة للصور، ومستشعر أكبر، وفتحة عدسة سريعة، وتثبيت بصري للصورة عبر تحريك المستشعر لتحسين التصوير في الإضاءة المنخفضة.
أما الكاميرا الثانية فهي 48MP Fusion Ultra Wide، وهي الكاميرا نفسها الموجودة في طرازات iPhone 18 Pro، وتوفر مجال رؤية أوسع إلى جانب التصوير الماكرو. وعلى الواجهة الأمامية توجد كاميرا Center Stage قادرة على التقاط الصور والفيديو تلقائياً بالاتجاه المناسب، بحيث لا يحتاج المستخدم إلى تدوير الهاتف عند التقاط صورة سيلفي أفقية.
لكن ما يجعل نظام التصوير هنا مختلفاً فعلاً هو أن الطي نفسه أصبح جزءاً من تجربة الكاميرا. يستطيع المستخدم مثلاً تصوير نفسه بالكاميرات الخلفية الأعلى دقة مع معاينة الصورة على الشاشة الخارجية، بينما تتيح ميزة Duo Preview للشخص أمام الكاميرا رؤية المعاينة الحية وضبط وضعية التصوير. وهناك أيضاً Smart Take التي تستخدم نماذج ذكاء اصطناعي تعمل على الجهاز لتحليل المشهد والتقاط الصورة تلقائياً عندما يكون الأشخاص في الوضع المناسب، إضافة إلى Kid Cue التي تعرض رسومات على الشاشة الخارجية لجذب انتباه الأطفال نحو الكاميرا.
وتضيف Apple كذلك Duo FaceTime، التي تسمح لشخص آخر بالمشاركة في مكالمة الفيديو باستخدام الشاشة والكاميرا الخارجية، وDual Capture التي تتيح مشاركة صورة الكاميرا الأمامية والخلفية في الوقت نفسه.
وعلى مستوى الفيديو، يدعم iPhone Duo تسجيل 4K بمعدل 120 إطاراً في الثانية مع Dolby Vision باستخدام الكاميرا الرئيسية، مع إمكانية تعديل سرعة التشغيل بعد التصوير لإنتاج تأثيرات الحركة البطيئة. كما يمكن تطبيق التأثيرات السينمائية بعد التصوير بمعدل يصل إلى 60 إطاراً في الثانية، إلى جانب تحسينات على Audio Mix والتصوير بتقنية Time-lapse بدقة 4K وDolby Vision HDR.

المعالج والتخزين
يعمل iPhone Duo بمعالج A20 Pro، وهو المعالج نفسه المستخدم في طرازات iPhone 18 Pro، لكنه يحصل هنا على منظومة متقدمة لإدارة الحرارة تتضمن غرفة بخار مصممة خصيصاً لتبديد الحرارة والحفاظ على الأداء لفترات أطول. ووفق Apple، يقدم الجهاز أداءً مستداماً أفضل بنسبة تصل إلى 35% مقارنةً بـ iPhone 17 Pro.
المعالج نفسه يتضمن وحدة CPU سداسية الأنوية أسرع بنسبة تصل إلى 20% من A19 Pro، ووحدة GPU بسبع أنوية أسرع بنسبة تصل إلى 40% وأكثر كفاءة في استهلاك الطاقة، إلى جانب Neural Engine جديد مزدوج مكوّن من 16 نواة يوفر ضعف القدرة الحسابية لتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي على الجهاز. كما ارتفع عرض نطاق الذاكرة الموحدة بنسبة 50%، فيما يعتمد A20 Pro على أحدث تقنيات التصنيع بحجم 2 نانومتر.
وتكتمل المنظومة بشريحة N1 التي صممتها Apple للشبكات اللاسلكية، وتدعم Wi-Fi 7 وBluetooth 6 وThread، إلى جانب مودم C2 الجديد الذي يقدم تحسينات مدعومة بالذكاء الاصطناعي لجودة الاتصال الخلوي وموثوقيته، مع دعم mmWave في الولايات المتحدة.
البطارية
يأتي iPhone Duo ببطاريتين، واحدة في كل جانب من الجهاز، وهو تصميم يسمح باستغلال المساحة الداخلية بكفاءة أكبر. وتعمل الخليتان معاً عبر منظومة من شرائح Apple وخوارزميات إعادة توزيع الطاقة لتظهر للمستخدم كبطارية واحدة.
وبحسب Apple، يمكن للجهاز تشغيل الفيديو لمدة تصل إلى 31 ساعة عند استخدام الشاشة الداخلية، وترتفع المدة إلى 44 ساعة عند استخدام الشاشة الخارجية، بينما تصل إلى 24 ساعة من الاستخدام لكل شحنة عند استخدام الشاشتين بالتساوي.
ويدعم الجهاز الشحن السريع، إذ يمكن الوصول إلى 50% من البطارية في نحو 20 دقيقة، بينما يستغرق الوصول إلى النسبة نفسها نحو 30 دقيقة عند استخدام شاحن MagSafe أو Qi2.

البرمجيات والذكاء الاصطناعي
هنا ربما تظهر أهم نقطة في تجربة iPhone Duo، لأن Apple لم تتعامل مع الشاشة الكبيرة باعتبارها مجرد مساحة إضافية، وإنما أعادت تكييف iOS 27 معها.
تنتقل عناصر التحكم الأساسية مثل أدوات شاشة القفل وDock والتنقل داخل التطبيقات إلى جانب الشاشة للاستفادة من المساحة الرأسية. وعند فتح الجهاز، تظهر صفحتان من الشاشة الرئيسية إلى جانب Today View، بينما تتكيف Dynamic Island أيضاً مع التصميم الجديد وتظهر بصورة عمودية على جانب الشاشتين.
والنتيجة أن النظام يتفاعل مع حركة الجهاز نفسها؛ فالمحتوى يعيد توجيه نفسه عند تغيير وضعية الهاتف، وينتقل إلى الشاشة المناسبة عند قلب الجهاز أو طيه.
وتستفيد التطبيقات من المساحة الجديدة بطريقة أكبر عبر Split View، التي تسمح للمستخدم للمرة الأولى على iPhone بتشغيل تطبيقين جنباً إلى جنب. ويمكن أيضاً فتح نافذتين من التطبيق نفسه، مثل Safari، أو التبديل السريع بين التطبيقات، وحتى إجراء محادثة مع Siri AI في جانب الشاشة أثناء متابعة المحتوى في الجانب الآخر، مع إمكانية حفظ أزواج من التطبيقات للعودة إليها لاحقاً.
كما حصل StandBy على استخدام جديد، إذ يستطيع iPhone Duo الدخول إلى وضع StandBy على الشاشة الداخلية أو الخارجية حتى عندما لا يكون متصلاً بالشحن، ليتحول إلى إطار للصور أو ساعة أو مركز للمعلومات والأدوات.
أما الذكاء الاصطناعي، فيحصل iPhone Duo على Siri AI الجديدة، التي تأتي بنسخة تجريبية مع iOS 27، وتستفيد من Apple Intelligence لفهم السياق الشخصي للمستخدم والتعامل مع محتوى الرسائل والبريد والصور وغيرها، إلى جانب فهم ما يظهر على الشاشة واتخاذ الإجراءات بناءً عليه.
السعر والتوافر
يبدأ سعر iPhone Duo من 9,499 ريال سعودي للنسخة التي تأتي بسعة تخزين 256GB، ويتوفر أيضاً بسعات 512GB و1TB و2TB. ويأتي الجهاز بلونين هما أبيض النجوم وسماء الليل.
تبدأ الطلبات المسبقة يوم الجمعة 16 أكتوبر، على أن يبدأ توفر الجهاز يوم الجمعة 23 أكتوبر في أكثر من 70 دولة ومنطقة، بينما سيصل إلى 28 دولة ومنطقة إضافية في 30 أكتوبر.
وتقدم Apple أيضاً ملحقين مخصصين للجهاز: iPhone Duo Case بسعر 79 دولاراً، وiPhone Duo Folio المزود بمسند مدمج بسعر 129 دولاراً. ويتوافق كلاهما مع MagSafe وQi2 بقدرة 25 واط والشواحن المعتمدة من Qi.

انطباعي الأولي
بعد استيعاب كل هذه التفاصيل معاً، يترسّخ لدي انطباع واضح: iPhone Duo ليس محاولة عجولة للحاق بفئة موجودة مسبقاً، بل محاولة مدروسة لإعادة بناء الفكرة من الصفر وفق منطق أبل الخاص. التخلي عن Face ID، وتقليص عدد العدسات الخلفية، وتخصيص مساحة أكبر للبطارية، كلها قرارات تكشف عن فلسفة تصميم تُقدّم الاتساق العملي على محاولة تحقيق الكمال الشكلي في كل التفاصيل دفعة واحدة.
لكن ما تغير بعد الإعلان الرسمي هو أن الصورة أصبحت أكبر من مجرد هاتف قابل للطي. Apple تحاول ربط المفصل بالشاشة، والشاشة بالنظام، والنظام بالكاميرا، والكاميرا بالذكاء الاصطناعي، بحيث تصبح فكرة الطي نفسها جزءاً من طريقة استخدام الجهاز، وليس مجرد خاصية فيزيائية.
يبقى السؤال الحقيقي الذي لن تجيب عنه أي من المواصفات المكتوبة، بل التجربة الفعلية في أيدي المستخدمين: هل ستبرر هذه القرارات الذكية نفسها في الاستخدام اليومي، أم ستظل حاضرة كتذكير دائم بأن أي جيل أول، مهما بلغت عناية تصميمه، يظل جيلاً أول بكل ما تحمله الكلمة من معنى؟ ومثلما استغرق الكتاب قروناً ليصبح الشكل الافتراضي للمعرفة المكتوبة، ربما يحتاج هذا الشكل الجديد من الهواتف وقتاً مماثلاً ليثبت أنه لم يكن مجرد تجربة عابرة، بل بداية فصل جديد فعلاً.






