تقارير ومقالات

في مديح التردد: iPhone Duo وحكاية الشركة التي لا تُسرع أبداً

ثمة حكمة قديمة تقول إن النهر يحفر الصخر بصبره لا بقوته. وحين وقفتُ أراقب آيفون Duo وهو يُفتح على الشاشة أمامي، للمرة الأولى، تذكرتُ هذه الحكمة تحديداً. فهذا الجهاز وُلد من سنوات طويلة بدت فيها آبل، للناظر من بعيد، متلكئة، متأخرة عن موجة الهواتف القابلة للطي التي اجتاحت السوق منذ سنوات. واليوم، حين تكشّف الستار أخيراً، بدا واضحاً أن ذلك التأخر كان انتظاراً محسوباً بدقة نادرة، أشبه بصمت من يُعيد صياغة الفكرة في رأسه قبل أن يبوح بها.

هذا التناقض بالذات هو ما يستحق أن نتوقف عنده طويلاً: هل كان صمت آبل الطويل إزاء هذه الفئة من الأجهزة علامة تردد، أم كان الثمن الحقيقي لصناعة نسخة تستحق أن تحمل اسمها؟

أكبر مشكلة .. أبل تحلها بأفضل طريقة

أول ما يلفت الانتباه في آيفون Duo هو ما لا يراه المستخدم أكثر مما يراه. فالطية، تلك المعضلة الحقيقية لكل هاتف قابل للطي سبقه إلى السوق، تكاد تختفي هنا تماماً من الحس البصري واللمسي معاً. حين تُمرّر إصبعك على سطح الشاشة الداخلية البالغة 7.6 إنش، تشعر أنك أمام سطح واحد متصل، وكأن الطية كانت فكرة عابرة تخلّى عنها المهندسون في اللحظة الأخيرة.

هذا الإتقان يتجاوز كونه تفصيلاً تجميلياً، فهو جوهر المقامرة التي خاضتها آبل بأكملها. فالفرق بين هاتف قابل للطي “يعمل” وآخر “يُنسيك أنه قابل للطي” هو ذات الفرق بين تقنية جديدة وتجربة ناضجة. ومن خلال ما شهدناه، يبدو أن آبل اختارت أن تدخل هذه الساحة من بابها الثاني، حيث الأمور أكثر رسوخاً وأقل عرضة للتعثر.

الآداء وعدم التنازل أبدًا

خلف هذا الجمال البصري، يعمل معالج A20 Pro، المصنّع بتقنية 2 نانومتر، في صمت يليق بجهاز يحاول أن يخفي عن مستخدمه حجم التعقيد الهندسي العامل تحت غطائه. فتشغيل شاشتين، وإدارة مفصل ميكانيكي دقيق، دون أن يذوب هذا كله في استهلاك مفرط للطاقة أو ارتفاع محسوس في الحرارة، إنجاز يستحق التوقف، وهو بالضبط النوع من التحديات التي تتعثر فيها الأجيال الأولى عادة، وتنجح فيها الأجيال التي تأخرت عمداً لتتعلم من أخطاء غيرها.

هاتفان في ثوب واحد

ما يستحق الوقوف عنده أيضاً هو الفلسفة الكامنة خلف الشاشة الخارجية، البالغة 5.4 إنش. فهي تصريح ضمني بأن آبل تريد من مستخدم آيفون Duo أن يستغني عن فتح جهازه في كل مرة يحتاج فيها إلى التحقق من رسالة عابرة أو نظرة سريعة على الوقت. هذه الشاشة تحديداً تمنح الجهاز طابعه المزدوج: هاتف تقليدي حين تحتاج السرعة، ولوح رقمي حين تحتاج الاتساع. وهذا التوازن، على بساطته الظاهرة، يفرّق بين جهاز صُمم لإبهار المستخدم للحظة، وآخر صُمم ليعيش معه سنة كاملة.

قراءة في توقيت الإطلاق

الأسئلة التقنية وحدها لا تكفي لفهم هذا الإطلاق. فالتوقيت هنا يحمل دلالة لا تقل أهمية عن أي ميزة  داخل الجهاز. آيفون Duo لم يظهر في عام عادي من تاريخ آبل، بل في أول مؤتمر يقوده رئيس تنفيذي جديد يخلف تيم كوك بعد سنوات طويلة من قيادته للشركة. واختيار هذه اللحظة بالذات لتقديم أجرأ منتج منذ سنوات ليس صدفة، فالشركات الكبرى، حين تغيّر قيادتها، تميل غالباً إلى مصاحبة هذا التغيير بمنتج استثنائي، كأنها تقول للسوق إن الطاقة الابتكارية لم تتبدل بتبدّل الأسماء على القمة.

هناك أيضاً منطق أعمق في اختيار آبل الانتظار كل هذه السنوات قبل دخول فئة الهواتف القابلة للطي. فالشركة لم تكن تراقب السوق بلا فعل، بل كانت على الأرجح تنتظر نضوج التقنيات المساندة: أسطح مرنة أكثر متانة، بطاريات أكثر كفاءة في المساحات الضيقة، ومعالجات قادرة على إدارة هذا التعقيد دون كلفة واضحة على تجربة الاستخدام. حين ينضج كل هذا مجتمعاً، يصبح الدخول المتأخر ميزة تفاوضية لا عائقاً، لأن المنافسين يكونون قد تحمّلوا بالفعل عبء تجربة الأخطاء الأولى نيابة عن السوق بأكمله.

أما على صعيد المستقبل، فمن المرجح أن يكون آيفون Duo بداية مسار تدريجي لا قفزة منعزلة. تاريخ آبل مع فئات المنتجات الجديدة يميل دوماً إلى نمط واحد: جيل أول محدود السعر والانتشار موجّه لفئة ضيقة من المستخدمين والمهتمين بالتقنية، يليه صقل تدريجي على مدى عامين أو ثلاثة يقلّص السعر ويحسّن التجربة، إلى أن تصبح الفئة بأكملها جزءاً طبيعياً من خط الإنتاج الرئيسي. من المتوقع أن نشهد نسخاً لاحقة أخف وزناً وأقل سمكاً وأقرب سعراً إلى فئة “برو” التقليدية، مع احتمال أن تمتد فلسفة الطي لاحقاً إلى فئة الآيباد ذاتها، بما ينسجم مع تسريبات سابقة أشارت إلى اهتمام آبل بأجهزة لوحية قابلة للطي أيضاً.

ما لم يكتمل بعد

الإنصاف يقتضي ألا ننبهر بالجهاز فحسب، فأي جهاز من هذا الطراز، مهما بلغت دقة تصنيعه، يظل رهين اختبار الزمن لا اختبار المسرح. الطية التي بدت اليوم غير محسوسة، ستحتاج آلاف الدورات من الفتح والإغلاق قبل أن نحكم عليها فعلياً بعد عام أو عامين من الاستخدام اليومي. كذلك تظل مقاومة الغبار والرطوبة في جهاز بهذا التعقيد الميكانيكي سؤالاً مفتوحاً حتى تختبره الحياة اليومية بقسوتها المعتادة، لا المسارح المُجهّزة بعناية.

وثمة سؤال آخر، أعمق من التقنية ذاتها: هل يحتاج المستخدم العادي فعلاً إلى هاتف يتحول إلى جهاز أكبر، أم أن هذه الحاجة صناعة تسويقية أكثر منها ضرورة استخدام حقيقية؟ الإجابة عن هذا السؤال لن تُحسم في يوم الإطلاق، بل ستُكتب تدريجياً، مع كل مستخدم يقرر إن كان هذا الهاتف يستحق مكانه في جيبه أم لا.

الصورة الأكبر: حين تراهن شركة على صبرها لا على سرعتها

عُرفت آبل تاريخياً بأنها تدخل الساحات الجديدة متأخرة، وتخرج منها غالباً متصدّرة. لم تكن أول من صنع مشغل موسيقى رقمياً، ولا أول من صنع هاتفاً ذكياً، ولا أول من صنع ساعة ذكية، لكنها في كل مرة أعادت تعريف الفئة بأكملها بعد دخولها إليها. آيفون Duo استمرار لهذا النمط بالذات، وربما كان اختباره الأصعب حتى الآن، لأنه يأتي في لحظة انتقال قيادي حقيقي داخل الشركة، حاملاً معه سؤالاً أكبر من الجهاز نفسه: هل ما زالت آبل، بقيادتها الجديدة، قادرة على أن تصبر حتى تتقن، في زمن يكافئ السرعة أكثر مما يكافئ الإتقان؟

الحكم النهائي

آيفون Duo إعلان ضمني بأن الشركة ما زالت تراهن على فلسفتها القديمة: أن تصل متأخرة، بنسخة يصعب منافستها. نجاح هذا الرهان لن يُقاس بحماس اللحظة الأولى، بل بقدرة هذا الجهاز على أن يظل، بعد عام من الآن، أكثر من مجرد فكرة جميلة على مسرح مؤقت. وحتى ذلك الحين، يبقى آيفون Duo وعداً أنيقاً، صيغ بعناية فائقة، بانتظار أن يفي به الزمن كما وفت به آبل على المسرح.

ABDULLAH ALGHAFIS

مؤسس ومدير موقع نيوتك ، مدون تقني ، إعلامي ، أدير مجموعة مواقع ، مصور فوتوغرافي ومهتم بالتقنية وأخبارها وخاصة الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية ، أسعى لخلق بيئة تقنية عربية واعية ..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى