تقارير ومقالات

ماك ميني الجديد: من قاعة كاملة إلى كف اليد

في فبراير 1946 كشفت جامعة بنسلفانيا عن ENIAC، أحد أوائل الحواسيب الإلكترونية العامة في التاريخ. كان الجهاز يملأ قاعة كاملة، ويعمل بأكثر من سبعة عشر ألف صمام مفرغ، ويزن قرابة ثلاثين طناً. وقف الناس أمامه مذهولين، لأنه كان ينجز في ثوانٍ حسابات تستغرق من البشر أياماً طويلة. ولو قيل لأولئك المهندسين يومها إن حاسوباً أقوى منه بأضعاف لا تُحصى سيستقر بعد ثمانين عاماً على مكتب عادي، بحجم كف اليد، لظنوا أن القائل يحلم.

هذا ما خطر لي حين فتحت علبة ماك ميني الجديد. جهاز يزن نحو 680 غراماً، ومع ذلك يحمل من القدرات ما لم يتخيله صنّاع ذلك الحاسوب العملاق. وفي هذا المقال أنقل لك ما أعلنته أبل، وما رأيته بنفسي، وأخبرك برأيي بصراحة: هل يستحق أن تشتريه؟

حجم صغير وحضور كبير

لم تغيّر أبل شكل الجهاز كثيراً، وأرى في ذلك حكمة تُحسب لها. لا يزال مربعاً صغيراً قياسه خمسة إنشات في خمسة، أي نحو ثلاثة عشر سنتيمتراً في مثلها. تضعه بجانب الشاشة فيكاد يختفي، وتحتفظ بمكتبك مرتباً وواسعاً. وقد صُمّم نظام التبريد ليوجّه الهواء عبر قاعدة الجهاز، فيؤدي المهام الثقيلة بكفاءة دون أن يشغل حيزاً أكبر.

ومن التفاصيل التي أحببتها وجود منفذي USB-C ومقبس السماعات في الواجهة الأمامية. قد يبدو الأمر بسيطاً في الإعلانات، لكن من يستخدم الجهاز يومياً يعرف قيمة ألا يبحث عن منفذ خلفه كلما أراد توصيل سماعة أو قرص تخزين. أما الخلف ففيه منفذ HDMI ومنفذ الشبكة وثلاثة منافذ Thunderbolt، تكفي لربط الجهاز بثلاث شاشات خارجية.

شريحتان لاحتياجين مختلفين

يصل الجهاز بخيارين: الأول بشريحة M6، وهي موجهة لمن يريد أداءً ممتازاً في العمل اليومي، من الكتابة والتصفح إلى تحرير الصور والفيديو. تضم معالجاً من اثنتي عشرة نواة ووحدة رسوميات من اثنتي عشرة نواة أيضًا، وتصل ذاكرتها إلى اثنين وثلاثين غيغابايت. والثاني بشريحة M5 Pro، وهي للمحترفين من المبرمجين وصنّاع الفيديو والمصممين، ويصل معالجها إلى ثماني عشرة نواة ورسومياتها إلى عشرين نواة وذاكرتها إلى أربعة وستين غيغابايت.

رأيي أن شريحة M6 تكفي غالبية الناس بمساحة واسعة. أما من يعمل على مشاريع ثقيلة أو يطمح إلى تشغيل برامج ذكاء اصطناعي كبيرة على جهازه، فسيجد في M5 Pro راحة أكبر وسعة أرحب. ونصيحتي في الحالتين أن تختار أكبر ذاكرة تسمح بها ميزانيتك، فهي التي تحدد حجم ما يستطيع الجهاز التعامل معه بسلاسة.

الذكاء الاصطناعي: قلب هذا الجيل

إن كان لهذا الجهاز عنوان واحد، فهو الذكاء الاصطناعي. فالشريحتان الجديدتان صُمّمتا أساساً لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي مباشرة على الجهاز نفسه. ولتقريب الفكرة: حين تستخدم مساعداً ذكياً يكتب لك أو يلخص أو يترجم، فإن الطلب في العادة يسافر عبر الإنترنت إلى خوادم بعيدة تعالجه ثم تعيد إليك الجواب. أما الآن فيستطيع ماك ميني أن يقوم بجزء كبير من هذا العمل بنفسه، على مكتبك، وبين يديك.

وقد أضافت أبل إلى وحدة الرسوميات في هذا الجهاز مكوّنات جديدة تسمى المسرّعات العصبية، وهي المرة الأولى التي تصل فيها إلى ماك ميني. وتضم شريحة M6 كذلك محركاً عصبياً جديداً مزدوجاً بستّ عشرة نواة، في حين تعتمد M5 Pro محركاً بستّ عشرة نواة مع عرض ذاكرة أكبر بكثير. ولا يهمّك أن تحفظ هذه الأسماء، فما يعنيك أن أبل تقول إن أداء الذكاء الاصطناعي في الجهازين يصل إلى أربعة أضعاف الجيل السابق.

والأرقام التي نشرتها أبل تعطي فكرة عن حجم النقلة. ففي اختبار سرعة استجابة نموذج لغوي يعمل على الجهاز، سجلت شريحة M6 أداءً يعادل نحو ثلاثة عشر ضعفاً ونصف من ماك ميني M1 القديم، وسجلت M5 Pro أكثر من اثنين وعشرين ضعفاً. صحيح أنها اختبارات أجرتها أبل في ظروف محددة، لكنها تدل على الاتجاه بوضوح.

ما الذي يعنيه هذا في حياتك اليومية؟ يعني أن التطبيقات التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي ستستجيب أسرع، وأن مهام مثل الكتابة والتلخيص وتحرير الصور ستصبح أكثر سلاسة. وتقول أبل إن ميزات Apple Intelligence، ومعها مساعدها Siri الجديد الذي يتوفر حالياً بنسخة تجريبية وباللغة الإنجليزية في البداية، مصممة لتساعدك في الكتابة والتعبير وإنجاز أمورك مع حماية للخصوصية في كل خطوة.

وفي رأيي الشخصي، هذه أهم ميزة في الجهاز كله. فأنا أؤمن بأن الذكاء الاصطناعي سيتحول خلال سنوات قليلة من ميزة إضافية إلى جزء أساسي من كل عمل، تماماً كما حدث مع الإنترنت من قبل. والجهاز الذي يستطيع أن يحمل هذا العبء بنفسه، صغيراً هادئاً

على المكتب، يمنحك استقلالية وطمأنينة لا توفرهما الخدمات البعيدة. لهذا أعتبر أن أبل اختارت الاتجاه الصحيح، وأن ماك ميني هو أنسب جهاز لتحمله.

أداء يشعر به المستخدم

لم يقتصر التحسن على الذكاء الاصطناعي. فحسب اختبارات أبل، صارت شريحة M6 أسرع بنحو عشرة أضعاف من M1 في تصميم المجسمات ثلاثية الأبعاد، وبنحو ثلاثة أضعاف في تحرير الصور، وأسرع بأكثر من الضعف في الجداول. وتحقق M5 Pro أرقاماً أعلى، إذ تصل إلى خمسة أضعاف ونصف في تحرير الصور، وتزيد أداء الألعاب بنحو خمسين في المئة عن الجيل السابق. وتضيف أبل أن التخزين صار أسرع مرتين. والنتيجة جهاز يبدو أخف حركة في كل ما تفعله، من فتح الملفات إلى المونتاج.

اتصال أوسع

جاء الجهاز الآن بمنفذ شبكة سرعته 2.5 غيغابت كخيار أساسي، مع إمكانية طلب سرعة عشرة غيغابت لمن يتعامل مع ملفات ضخمة أو يعمل عبر شبكة سريعة. ويصحبه اتصال لاسلكي حديث أسرع وأكثر ثباتاً بفضل شريحة أبل الجديدة، وهو ما يظهر أثره في نقل الملفات وتشغيل الأجهزة الملحقة. وتضيف نسخة M5 Pro ميزة يحبها صنّاع الأفلام، وهي المزامنة الدقيقة بين الشاشة والكاميرات الاحترافية.

مكتب متكامل مع شاشة أبل

أنصح من يفكر في الشراء بأن يجرّب الجهاز مع شاشة Studio Display، فهي بقياس سبعة وعشرين إنشاً ودقة 5K، وألوانها زاهية ونظيفة، وفيها كاميرا واضحة ونظام صوت رائع. وإذا أضفت إليها لوحة مفاتيح Magic Keyboard التي تفتح الجهاز ببصمة إصبعك، مع فأرة أو لوحة لمس، حصلت على محطة عمل أنيقة ومريحة.

جهاز يراعي البيئة

يحسب لأبل اهتمامها بالبيئة في هذا الجهاز، فهو مصنوع بنسبة خمسين في المئة من مواد معاد تدويرها، وغلافه الخارجي من الألمنيوم المعاد تدويره بالكامل، ويُصنّع بكهرباء متجددة، ويُشحن في علبة ورقية خالية من البلاستيك. وهذا يمنح الشراء بعداً أخلاقياً يسعدني.

لمن هذا الجهاز؟

إن كنت لا تزال تعمل على ماك ميني بشريحة M1 أو ما قبلها، فالترقية ستمنحك فارقاً كبيراً، إذ تقول أبل إن المعالج أسرع بنحو أربعة أضعاف ونصف، والرسوميات بنحو ستة عشر ضعفاً. وإن كنت جديداً على عالم ماك، فإن نسخة M6 نقطة انطلاق ممتازة. أما المبرمجون وصنّاع المحتوى ومن يعتمد على الذكاء الاصطناعي في عمله، فنسخة M5 Pro هي الأنسب.

كلمة أخيرة

بعد أن وضعت ماك ميني الجديد على مكتبي، أستطيع القول إنه ليس تحديثاً سنوياً عادياً، بل جهاز يجمع أناقة الحجم الصغير مع قوة تكفي لمهام اليوم وتستعد للغد. وأعود إلى بداية المقال: من قاعة كاملة في 1946 إلى مربع صغير على مكتبي في 2026، ثمانون عاماً فقط فصلت بين الحلم والواقع. ولا أعرف ما ستحمله السنوات الثمانون القادمة، لكنني متحمس لأعرف.

ABDULLAH ALGHAFIS

مؤسس ومدير موقع نيوتك ، مدون تقني ، إعلامي ، أدير مجموعة مواقع ، مصور فوتوغرافي ومهتم بالتقنية وأخبارها وخاصة الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية ، أسعى لخلق بيئة تقنية عربية واعية ..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى